في سفر حزقيال، يُعَدّ «حصار» أورشليم «العلامة» التي هي الامتحان الذي به يُحسَم مصيرنا الأبدي، لأنه يدلّ على تكوّن صورة الوحش.

«لقد أرانِي الرب بوضوح أن صورة الوحش ستُقام قبل انقضاء زمن النعمة؛ لأنها ستكون الامتحان العظيم لشعب الله، الذي به سيتقرر مصيرهم الأبدي. …»

«هذا هو الامتحان الذي ينبغي لشعب الله أن يجتازوه قبل أن يُختموا. فكل الذين برهنوا على ولائهم لله بحفظ شريعته، ورفضوا قبول سبتٍ مزيّف، سيقفون تحت راية الرب الإله يهوه، وسينالون ختم الله الحي. وأما الذين يتخلّون عن الحق ذي الأصل السماوي ويقبلون سبت الأحد، فسيتلقّون سمة الوحش». Manuscript Releases، المجلد 15، 15.

إنّ المسيحيين الذين هربوا من أورشليم عند «العلامة» التي مثّلها سِستيوس، إنما فعلوا ذلك لأنهم كانوا قد أُنذروا مسبقًا، وتعرّفوا إلى «العلامة» حين ظهرت. وإنّ إدراك تشكُّل صورة الوحش هو إدراك «الأحداث» و«الاستعدادات» و«التحرّكات» التي تفضي إلى قانون الأحد. ويجب فهم العناصر النبوية التي تتكوّن منها «العلامة» قبل ظهور العلامة. فعندما بدأ سِستيوس الحصار، كان قد فات الأوان لتعلُّم ماهية العلامة.

«لقد بدأت الاستعدادات تتقدّم بالفعل، والحركات جارية، التي ستفضي إلى صنع صورة للوحش. وستقع أحداث في تاريخ الأرض تتمّم تنبؤات النبوة الخاصة بهذه الأيام الأخيرة». Review and Herald، 23 أبريل 1889.

استعدادات وتحركات وأحداث

يجب التعرّف مسبقًا على «الاستعدادات» و«التحرّكات» و«الأحداث» قبل وقوع الامتحان.

«كلُّ ما حدَّده الله في التاريخ النبوي ليتحقَّق في الماضي قد تمَّ، وكلُّ ما هو آتٍ بعدُ بحسب ترتيبه سيتمُّ. دانيال، نبيُّ الله، قائمٌ في مكانه. ويوحنا قائمٌ في مكانه. في سِفر الرؤيا فتح أسدُ سبطِ يهوذا أمام دارسي النبوَّة سِفرَ دانيال، وهكذا يقف دانيال في مكانه. وهو يشهد بشهادته، بما أعلنه له الربُّ في الرؤيا عن الحوادث العظيمة المهيبة التي ينبغي لنا أن نعرفها إذ نقف على العتبة عينها لتحقيقها.»

«في التاريخ والنبوة، تُصوِّر كلمةُ الله الصراعَ الطويلَ المستمرَّ بين الحق والضلال. وذلك الصراع لا يزال قائمًا. وما كان قد حدث سيتكرر.» الرسائل المختارة، الكتاب 2، 109.

«يجب أن نعرف» «الأحداث العظيمة والرهيبة إذ نقف على العتبة عينها لتحقيقها». وتُبيِّن العتبة حاجتنا إلى أن نفهم هذه الأحداث قبل إتمامها.

«ولكنَّ الخطوطَ الصارمة التي رسمها قلمُ النبوّة تكشفُ عن تغييرٍ في هذا المشهدِ الهادئ. فالوحشُ ذو القرنين الشبيهين بقرني الحمل يتكلّم بصوتِ تنّين، و“يمارس كلَّ سلطان الوحش الأوّل أمامه”. وإنَّ روحَ الاضطهاد التي أظهرها كلٌّ من الوثنيّة والبابويّة ستُعلَن من جديد. وتُصرِّح النبوّة بأنَّ هذه القوّة ستقول “للساكنين على الأرض أن يصنعوا صورةً للوحش”. [رؤيا 13:14.] وهذه الصورة تُصنَع للوحش الأوّل، أو الشبيه بالنمر، وهو الذي يَرِد ذكره في رسالة الملاك الثالث. وبهذا الوحش الأوّل تُمثَّل الكنيسةُ الرومانيّة، وهي هيئةٌ كنسيّة متَّشحة بالسلطة المدنيّة، لها سلطانٌ أن تُعاقب جميع المخالفين. أمّا صورةُ الوحش فتمثّل هيئةً دينيّة أخرى متَّشحة بسلطةٍ مماثلة. وإنَّ تكوين هذه الصورة هو عملُ ذلك الوحش الذي يجعل صعودُه السلميّ وادّعاءاتُه الوديعة منه رمزًا لافتًا جدًّا للولايات المتحدة. وهنا تُوجَد صورةٌ للبابويّة. فعندما تتّحد كنائسُ بلادنا على تلك النقاط من الإيمان التي تمسك بها جميعُها على السواء، وتؤثّر في الدولة لكي تُنفِّذ مراسيمها وتدعم مؤسّساتها، حينئذٍ تكون أمريكا البروتستانتيّة قد أقامت صورةً للتسلسل الهرميّ الرومانيّ. وعندئذٍ ستتعرّض الكنيسةُ الحقيقيّة للاضطهاد، كما تعرّض له شعبُ الله القديم. ويقدّم لنا كلُّ قرنٍ تقريبًا أمثلةً على ما يستطيع التعصّبُ والخبثُ أن يفعلاه تحت ذريعة خدمة الله بحماية حقوق الكنيسة والدولة. وقد أظهرت الكنائسُ البروتستانتيّة التي سارت في خُطى روما بإقامة تحالفٍ مع القوى الدنيويّة رغبةً مماثلة في تقييد حرّيّة الضمير. وفي القرن السابع عشر عانى آلافٌ من الخدّام غير الممتثلين تحت حكم كنيسة إنجلترا. فالاضطهاد يتبع دائمًا المحاباةَ الدينيّة من جانب الحكومات الزمنيّة». روح النبوّة، المجلّد 4، 277.

يُستكمَلُ تشكيلُ صورةِ الوحش أولًا في الولايات المتحدة، ثم بعد ذلك في العالم.

«ستحذو الأمم الأجنبية حذو الولايات المتحدة. ومع أنها تتقدّم، إلا أن الأزمة نفسها ستأتي على شعبنا في جميع أنحاء العالم». الشهادات، المجلد 6، ص. 395.

يمثّل مرسوم ميلانو سنة 313 بدايةَ التشكُّل، كما يحدِّد أيضًا البابَ المغلق بالنسبة إلى الأدفنتست السبتيين. وقد ألحق قسطنطين الغرب وَلِكينيوس الشرق بمرسوم ميلانو زواجًا معاهديًّا، حين أعطى قسطنطين أخته غير الشقيقة قسطنطية للكينيوس في رابع زواجٍ معاهديّ ممثَّلٍ في خطٍّ نبويٍّ من ستة زيجاتٍ معاهدية ضمن التاريخ النبوي لدانيال الحادي عشر. وكان الأوّلان مرتبطين بحروبٍ بين الشمال والجنوب، وكان التاليان حربين أهليتين بين الشرق والغرب، وأمّا الأخيران فهما زيجتان رمزيّتان لقوّة الكنيسة البابوية وقوّة الدولة.

نحّى أنطيوخس الثاني ثيوس زوجته لاوديقية الأولى ليتزوج الأميرة البطلمية برنيكي (ابنة بطليموس الثاني) نحو سنة 252 ق.م. وقد أُبرمت زيجات المعاهدات في الإمبراطورية السلوقية بين ملك الشمال وملك الجنوب، في حين أن زواج المعاهدة سنة 313 كان بين إمبراطور الشرق وإمبراطور الغرب.

إن زواج المعاهدة لأنطيوخس الثاني ثيوس سنة 252 ق.م مثَّل بداية الإمبراطورية السلوقية التي بلغت خاتمتها كإمبراطورية في التاريخ المُمثَّل في الآيات من العاشرة إلى السادسة عشرة من دانيال الحادي عشر. وفي التاريخ الأخير للإمبراطورية السلوقية أُنجز زواجُ معاهدةٍ آخر على يد أنطيوخس الثالث الكبير، حين أعطى ابنته كليوباترا الأولى السُّوريَّة، (أول كليوباترا على الإطلاق في التاريخ النبوي)، إلى بطليموس الخامس سنة 193 ق.م. وكان بطليموس الخامس آنذاك في نحو السادسة عشرة من عمره، وكانت كليوباترا الأولى السُّوريَّة في نحو العاشرة. وكان زواجهما تسويةً دبلوماسية بعد الحرب السورية الخامسة. وكان زواج المعاهدة الألفي بين ملك الشمال وملك الجنوب في دانيال الحادي عشر قد مثَّل نهاية الحرب السورية الثانية.

إنَّ آخر كليوباترا في التاريخ النبوي تفاعلت مع يوليوس قيصر، ثم بعد ذلك مع مارك أنطونيوس. وبعد اغتيال يوليوس قيصر سنة 44 ق.م، تكوَّن الحكم الثلاثي الثاني سنة 43 ق.م. وكان هذا الحكم الثلاثي يتألَّف من ثلاثة رجال، وبعد أن أُقصي أحد هؤلاء الثلاثة، وهو ماركوس ليبيدوس، من الاتحاد الثلاثي على يد أوكتافيان، نشب صراع على السلطة بين مارك أنطونيوس في الشرق وأوكتافيان في الغرب. وفي برونديسيوم، سنة 40 ق.م، أُبرمت معاهدة بين هذين المتنافسين الشرقي والغربي. وشملت المعاهدة زواج أوكتافيا، أخت أوكتافيان، من مارك أنطونيوس. غير أن المعاهدة والزواج المصاحب لها لم يثبتا، وبعد أن ارتبط مارك أنطونيوس بكليوباترا، طلَّق أوكتافيا سنة 32 ق.م. وفي معركة أكتيوم سنة 31 ق.م، جرى توحيد إمبراطوريتَي الشرق والغرب في قوة واحدة، وبعد ذلك صار أوكتافيان أوغسطس قيصر، رمز ذروة المجد الروماني والقوة الرومانية.

نبويًّا، كانت أولُ زواجِ معاهدةٍ في دانيال الأصحاح الحادي عشر بين ملوكِ الشمال والجنوب في محاولةٍ لإنهاء الأعمال العدائية بين المتحاربين اللذين كانا يصارعان لإعادة تأسيس إمبراطورية الإسكندر الأكبر. وكان ذلك الزواجُ الأولُ للمعاهدة بين السلوقيين والبطالمةِ في مصر هو زواجَ المعاهدة «الألفا» لمملكتي السلوقيين والبطالمة، الذي مثَّل زواجَ المعاهدة «الأوميغا» بين القوتين نفسيهما. وفي آخرِ زواجِ معاهدة، أو زواجِ «الأوميغا»، أصبحت كليوباترا الأولى جدًّا، أو «الألفا»، في تاريخ مصر، الحلقةَ النبويةَ التي تصل إلى كليوباترا الأخيرة، أو «الأوميغا»؛ التي صارت علاقتها بمرقس أنطونيوس نقطةَ الإشارة إلى طلاق أوكتافيا ومرقس أنطونيوس. وقد شكَّل ذلك الطلاقُ علامةَ تجدُّد الأعمال العدائية بين مرقس أنطونيوس في الشرق وأوكتافيانوس في الغرب، التي انتهت في معركة أكتيوم سنة 31 ق.م.

كان زواجُ المعاهدة في برونديسيوم سنة 40 ق.م هو زواجَ المعاهدة الألفي في الصراع بين الشرق والغرب، كما كان زواجُ المعاهدة بين لاوديقية وأنطيوخس الثاني ثيوس هو الألف في الصراع بين الشمال والجنوب. وكان زواجُ المعاهدة سنة 313 هو الأوميغا لزواج المعاهدة الألفي بين مارك أنطوني وأوكتافيا، كما كان زواجُ المعاهدة بين بطليموس الخامس وكليوباترا الأولى السورية هو زواجَ المعاهدة الأوميغا لمملكتي الشمال والجنوب. وتتوافق جميعُ زيجات المعاهدة الثلاثة التي قادت إلى زواج المعاهدة الأوميغا سنة 313، وتقدّم ثلاثة شهود على الخصائص النبوية المرتبطة بمرسوم ميلانو. ومعًا تتوافق زيجاتُ المعاهدة الأربع الحرفية للشرق والغرب والشمال والجنوب مع زيجي المعاهدة الرمزيين للبابوية.

في عام 496، كان كلوفيس، ملك الفرنجة، متزوجًا من كلوتيلدا. وكانت كلوتيلدا أميرةً بورغندية، ابنةَ الملك شيلبريك الثاني ملك بورغونيا. وبعد أن قُتل أبوها وأمها في صراعٍ عائلي على السلطة، عاشت في كنف حماية عمّها قبل أن تُزوَّج بكلوفيس الأول، ملك الفرنجة، سنة 493. وكانت كاثوليكية، أي إنها كانت تعتنق الإيمان النيقاوي/الأرثوذكسي للكنيسة الرومانية. وهذا ما ميّزها عن كثيرٍ من الأسر الملكية الجرمانية الأخرى في ذلك الزمان، التي كانت مسيحية أريوسية. وكانت أمها كاريتينا كاثوليكية، وقد نشأت كلوتيلدا على ذلك الإيمان. ويُذكَر عنها أنها واظبت بإلحاح على حثّ كلوفيس على ترك الوثنية وقبول المعمودية الكاثوليكية، ومن ثم فإن اهتداءه في سنة 496 يُعَدّ أحد أهم الأحداث في التاريخ المبكر لفرنسا ولما يُسمّى بالمسيحية الغربية.

نذر كلوفيس أنه إن ربح معركة تولبياك فسوف يعتنق الإيمان الكاثوليكي الذي تدين به كلوتيلدا ويعتمد. فقُتل ملك الألِمانيّين، وانكسرت جموعهم، وانتصر الفرنجة. وبعد هذا الظفر رتّبت كلوتيلدا أن يتولّى الأسقف ريميغيوس أسقف ريمس تعليم كلوفيس، فاعتمد (بحسب التقليد في يوم عيد الميلاد سنة 496)، ومعه عدة آلاف من محاربيه.

كان كلوفيس ملكَ الفرنجة، وهو، بحسب اصطلاحنا الحديث، ملكُ فرنسا. وقد صار أولَ ملوك أوروبا الذين كانوا في نهاية المطاف سيتخلّون عن ديانتهم الوثنية ويتحوّلون إلى الكاثوليكية. ولهذا السبب يُعَدّ كلوفيس «الابنَ الأكبر للكنيسة الكاثوليكية»، وتُدعى فرنسا «الابنةَ الكبرى للكنيسة الكاثوليكية». وفي عام 1980، عندما زار البابا يوحنا بولس الثاني فرنسا، سأل: «يا فرنسا، أيتها الابنة الكبرى للكنيسة، أأنتِ أمينةٌ لمعموديتكِ؟»

إنَّ اهتداء كلوفيس إلى الكاثوليكية النيقية يحدِّد بدايةَ موكب زواجٍ رمزيٍّ كان سيؤدّي إلى زواج المعاهدة الرمزي سنة 538. وقد تمَّ تمثيل زواج المعاهدة الرمزي بين كلوفيس والزانية التي تزني مع ملوك الأرض في الزيجات الأربع السابقة للمعاهدات في دانيال 11. وكان كلوفيس أول ملكٍ أوروبي يقدّم دعماً عسكرياً واقتصادياً للكنيسة الرومانية، ولذلك يُمثَّل كلوفيس ضمن التاريخ الوارد في دانيال 11.

وتقوم أذرع من جهته، وتنجِّس مقدس الحصن، وتنزع المحرقة الدائمة، وتجعل رجسة الخراب. دانيال 11:31.

يمثّل كلوفيس في سنة 496 بدايةَ البُنى السياسية الأوروبية التي «تقوم» لإسناد البابوية فيما كانت ترتقي إلى السلطة. وهو يحدّد بدايةَ موكب زواج رمزي. كما أنّ «الأذرع» في الآية كانت ستدنّس أيضًا «مقدِس الحصن»، الذي هو، بالنسبة إلى روما الوثنية والبابوية على السواء، مدينةُ روما.

مقدسان اثنان

توجد في سفر دانيال كلمتان عبريتان مختلفتان تُرجَمان إلى «المقدس». والكلمتان العبريتان «miqdash» و«qodesh» كلتاهما تُترجمان «المقدس»، غير أن «qodesh» لا يمكن أن تدل إلا على كيان مقدس، في حين أن «miqdash» يمكن أن تدل، بحسب السياق، على مقدسٍ مقدسٍ أو غير مقدس.

«مَقْدِسُ الحِصْنِ» في الآية الحادية والثلاثين هو «مِقْدَاش»، ويمثّل مقدس قوة روما، الذي كان، بالنسبة إلى روما الوثنية وروما البابوية كلتيهما، مدينة روما. فمنذ معركة أكتيوم، حين وحَّد أوكتافيان الإمبراطورية، كانت روما الوثنية لا تُقهَر مدة ثلاثمائة وستين سنة (زمانًا واحدًا)، تحقيقًا للآية الرابعة والعشرين من دانيال الحادي عشر.

يدخلُ بالسَّلامة إلى أخصبِ مواضعِ الولاية، ويفعلُ ما لم يفعله آباؤه ولا آباءُ آبائه؛ ويبدِّد بينهم الغنيمةَ والسلبَ والثروةَ؛ نعم، ويدبِّرُ مقاصدَه ضدَّ الحصون، ولكن إلى حين. دانيال 11:24.

حين كانت روما الوثنية تحكم من مدينة روما، كانت لا تُقهَر؛ ولكن عندما نقل قسطنطين العاصمة إلى القسطنطينية سنة 330، تمّ «الزمان» المذكور في الآية الرابعة والعشرين. وعندما أُخرج آخر القرون الثلاثة (القوط) المذكورة في دانيال 7 من المدينة، اعتلت روما البابوية، من الناحية النبوية، العرش بوصفها المملكة الخامسة في نبوة الكتاب المقدس سنة 538. وكان القوط قد حاصروا روما، لكنهم ارتدّوا في النهاية، إذ أمَّن بليزاريوس، القائد التابع لجستنيان، المدينة. ثم حكمت الكنيسة الرومانية حكمًا مطلقًا مدة ألف ومئتين وستين سنة، إلى أن أمر نابليون بعزل البابا ونفيه سنة 1798.

روما، «مَقْدِسُ الحِصْنِ»، قد «تَنَجَّسَ» (أي إن «تنجّس» تعني «جُرِحَ أو انحلَّ»)، وذلك بواسطة «الأذرع» الناتجة عن الحرب المستمرة على المدينة، المُمثَّلة أساسًا في الأبواق الأربعة الأولى من الإصحاح الثامن من سفر الرؤيا.

إن التاريخ الذي تلا عام 496 فصاعدًا سيشهد مدينة روما وقد تدنَّست إذ تحوّلت من قوة الإمبراطورية الرومانية ومجدها إلى قوة الإمبراطورية الرومانية الكاثوليكية ومجدها. وتلك الأذرع كانت تنزع ديانة الوثنية، المُمثَّلة بلفظ «الدائمة» في هذا المقطع، إذ قبلت ديانة الكاثوليكية النيقية.

في معركة فوييه، هزم كلوفيس القوطَ الغربيين الآريوسيين بقيادة ألاريك الثاني واستولى على أكيتانيا. وفي أعقاب ذلك الانتصار، في سنة 508، كرَّم الإمبراطور الشرقي أناستاسيوس الأول (في القسطنطينية) كلوفيس على انتصاره على القوط الغربيين. ويقول غريغوريوس التوري إن أناستاسيوس أرسل إلى كلوفيس أوراقه الرسمية جاعلًا إياه قنصلًا. وفي تور، في كنيسة القديس مارتن، لبس كلوفيس سترةً أرجوانية ورداءً، ووضع إكليلًا على رأسه، وخرج راكبًا، ووزَّع الذهب والفضة على الجموع. ويقول غريغوريوس إنه منذ ذلك اليوم نودي به قنصلًا، واعترف الإمبراطور الروماني بأن كلوفيس كان ملكًا مسيحيًا شرعيًا في الغرب. وقد كوفئ على تحطيمه القوطَ الغربيين الآريوسيين، الذين كانت القسطنطينية تعارضهم أيضًا. كانت سنة 508 هي السنة التي كرَّم فيها الإمبراطور في الشرق علنًا الملكَ الفرنجي الكاثوليكي—الكنيسة، والانتصار، والشرعية الرومانية في مشهد واحد. وكانت سنة 508 هي السنة التي قامت فيها المملكة الفرنجية الكاثوليكية بوصفها القوة الكاثوليكية المهيمنة في بلاد الغال بعد كسر حكم القوط الغربيين الآريوسيين. وكلوفيس هو أول ملك بربري كبير يقاتل من أجل الكاثوليكية النيقية ضد الممالك الآريوسية، ومن ثم فهو النموذج الأولي للدور الفرنسي بوصفه «الابنة البكر للكنيسة». ويمثل كلوفيس الفترة من 496 إلى 508، وهو رمز الألفا لمعاهدة الزواج الرمزية. أما السنوات الثلاثون من 508 إلى 538 فيمثلها جستنيان، وهو رمز الأوميغا للموكب.

في سنة 538، وضعت «الذراعان» السلطةَ البابوية على عرش الأرض لمدة 1260 سنة. وعندئذٍ تمّ اكتمال زواج المعاهدة الرمزي عند ختام موكب الزواج الذي كان قد بدأ سنة 496. وفي سنة 1798، أُبطِل زواج المعاهدة الذي كان قد بدأ بين بابا روما وكلوفيس الفرنسي، حين طلّق نابليون الفرنسي السلطةَ البابوية بأن جعل قائده يأسر البابا.

زواجُ المعاهدة البابوي الرمزي، الألفا، الذي كان قد بدأ موكب زواجه في سنة 496، قد اكتمل عند قانون الأحد في سنة 538، ثم أُبطل بعد ذلك في سنة 1798، كما كان الحال في كل زواج معاهدة آخر في دانيال الحادي عشر. ويضيف سفر الرؤيا إلى العلاقة الزوجية البابوية بين ملوك أوروبا وباباوات الكاثوليكية، لأن تنين الرؤيا الثاني عشر هو كلٌّ من الشيطان وملوك روما الوثنية.

«وهكذا، فبينما يمثّل التنين، في المقام الأول، الشيطان، فإنه، بمعنى ثانوي، رمز لروما الوثنية». الصراع العظيم، 439.

في سفر الرؤيا يُخبرنا يوحنا بثلاثة أمور أعطاها الملوكُ (التنينُ) لوحش البحر، أي الكاثوليكية.

والوحشُ الذي رأيتُه كان شبيهًا بنمرٍ، وكانت قدماه كقدمي دبٍّ، وفمه كفم أسد؛ وأعطاه التنينُ قدرتَه وعرشَه وسلطانًا عظيمًا. رؤيا 13:2.

في سنة 496، بدأ ملوك أوروبا يزوّدون الوحش البابوي «قوتهم»، كما تمثّل ذلك في بأسهم العسكري ودعمهم الاقتصادي. وكانوا قد نقلوا عاصمة إمبراطوريتهم إلى القسطنطينية سنة 330، تاركين مدينة روما لتكون «كرسي» السلطة البابوية. ثم جاءت «الأذرع» بعد ذلك لتحدّد الكنيسة البابوية بوصفها رأس جميع الكنائس في سنة 533، بمرسوم جستنيان. وقد تضمّن هذا المرسوم استخدام قوتهم العسكرية لاضطهاد الذين حدّدهم الكرسي البابوي على أنهم هراطقة، وبذلك وُضِعت «سلطتهم» المدنية في أيدي الباباوات.

بدأ زواجُ المعاهدة الألفا بين البابوية وملوك أوروبا مع كلوفيس سنة 496. وبحلول سنة 508، أُزيحت الوثنية، وهي الديانة القانونية للمملكة، لصالح ديانة الكاثوليكية النيقية. وفي سنة 533، حدَّد يوستنيانوس البابويةَ بوصفها رأسَ جميع الكنائس، وتنازل عن السلطة القانونية لعروشهم كلٌّ بحسب مملكته للسلطة البابوية.

كرسي الألف والياء

في سنة 330، تُرِكت مدينة روما في يد الكنيسة الرومانية حيث كانت تجلس إلى أن تُهلك في بحيرة النار عند المجيء الثاني للمسيح. وفي سنة 538، أُجلِسَت رسميًا مرة أخرى على العرش البابوي، وبذلك يتحدد تاريخ الفترة من 330 إلى 538 بوصفه مدة نبوية تبدأ بمقعد ألفا وتنتهي بمقعد أوميغا. وتمثل هذه الفترة نهاية المملكة الرابعة في نبوة الكتاب المقدس (برغامس) بوصفها انحلالًا تدريجيًا يبدأ في سنة 330 وينتهي في سنة 538 مع مجيء ثياتيرا. وقد واصلت كلٌّ من روما الغربية وروما الشرقية ذلك الانحلال البطيء إلى ما بعد سنة 538، غير أن هذه الفترة بدأت بإعطاء المقعد، ممثلًا مدينة روما للبابوية في سنة 330، إلى أن صار المقعد في سنة 538 ليس مجرد عرش على المدينة، بل على المملكة التي تمثلها المدينة.

الفترة من 330 إلى 538 هي فترة نبوية محددة تُعرِّف المعالم الثمانية لتمكين البابوية. وهذه الخطوات الثماني تتكرر في شفاء الجرح المميت للبابوية عند قانون الأحد الآتي قريبًا.

كانت الخطوة الأولى من الخطوات الثماني هي إعطاء مدينة روما للسلطة البابوية، وكانت الخطوة الثامنة هي إعطاء المدينة لتكون عرش المملكة الخامسة في نبوة الكتاب المقدس. وهذا يحدِّد سنة 538 باعتبارها المقر، وباعتبارها «الخطوة الثامنة، التي هي من الخطوات السبع السابقة». وكانت الخطوة الأولى هي إعطاء المقر، وكانت الخطوة الثامنة هي إعطاء المقر؛ وهكذا فإن الخطوة الأولى في سنة 330 هي الألفا، وسنة 538 هي الأوميغا. مقرّان، وثلاثة قرون أُزيلت، والمحرقة الدائمة أُزيلت، واهتداء كلوفيس، ومرسوم يوستنيانوس، تساوي في مجموعها ثماني خطوات تحدِّد موكب العرس، وفي النهاية العرس نفسه.

في عام 1798، قامت فرنسا، تلك القوة التي مثّلت الملوك الأوروبيين العشرة، والتي أقامت البابوية على العرش سنة 538، بإزاحة البابوية عن ذلك العرش عينه. إن زواج العهد الألفا، المُمثَّل في تاريخ 538 إلى 1798، يُجسِّد نموذجًا لزواج العهد الأوميغا بين السلطة البابوية وملوك رؤيا 17 العشرة. وإن موكب الزواج من 496 إلى 538 يُجسِّد ثماني خطوات تتوافق مع الرؤساء الثمانية الأخيرين للولايات المتحدة. إن كلوفيس وفرنسا هما رمزان للملوك الأوروبيين العشرة. وهما يمثّلان الولايات المتحدة التي ستصير الملك الأبرز بين ملوك رؤيا 17 العشرة عند صدور قانون الأحد القريب الآتي.

تتوافق زيجات المعاهدة الخمس السابقة في دانيال الأصحاح الحادي عشر مع زيجة المعاهدة السادسة والأخيرة في الأيام الأخيرة. وتُعرِّف زيجاتُ المعاهدة الألفا والأوميغا بين الشمال والجنوب العروسَ الآتية من الجنوب بأنها الألفا، وبأن الأوميغا هي عروس من الشمال. وفي زيجات المعاهدة الخاصة بروما الوثنية، أُعطيت عروس الألفا من الشرق إلى الغرب، وكانت أوميغا سنة 313 عروسًا من الغرب. وترتبط تلك الزيجات الأربع بعضها ببعض نبويًا من خلال كليوباترا الأولى وكليوباترا الأخيرة. وقد مثَّلت زيجةُ المعاهدة الرمزية لروما البابوية العريسَ بوصفه الملكَ الأول في اتحادٍ نبوي مؤلَّف من عشرة ملوك، متَّحدًا مع عروسه — المرأة القرمزية في روما. وقد تم الطلاق على يد الملك الأول لهؤلاء الملوك العشرة في سنة 1798.

يمثّل زواجُ المعاهدة سنة 313 زواجَ المعاهدة الأخير للسلطة البابوية مع الولايات المتحدة—الملك الأوّل بين ملوك الأصحاح السابع عشر من سفر الرؤيا العشرة؛ وهي قوّة ذات قرنين يرمز إليها بالقوّة ذات القرنين في فرنسا. وإنّ التاريخ الذي بدأ مع كلوفيس سنة 496، والذي أفضى في النهاية إلى مرسوم جستنيان سنة 533 وتنصيب البابوية سنة 538، يمثّل تاريخ 1989 إلى قانون الأحد.

سنواصل هذه الأمور في المقالة التالية.